الجمعة، 3 يناير 2014

بماذا يحلم البوهيمي؟

بماذا يحلم البوهيميّ النائم في نفق المترو؟
باللحم الساخن والنبيذ؟
أم بغرفةٍ في أعلى طابقٍ من فندق يطلّ على الشانزيليزيه؟
ربما يحلم بأنه يدخن سيكاراً على البحر
ويشرب فودكا بين فخذين بيضاوين؟
بل بالغناءِ
وهو يجمع موسم الزيتون في صبح بلاده
البوهيميُّ ينظر إلينا بنصف عينيهِ
نحن الذين ننتظر المترو
نتذكر أننا نسينا منذ متى لم نحلم
يضحك:
إن كان لا بدّ من حلمٍ
فهو أن تصبحوا مثلي
يصل المترو
وكالعادةِ
وحده البوهيميّ لم تلتقطه كاميرات الأمن المعلّقة

ــــــــــــــــــــــــــــــ
عمر يوسف سليمان

النهار- الملحق
http://newspaper.annahar.com/article/96666-القذيفة-سمكة-خانها-البحر

لن نختلف

لن نختلفْ
خذوا الصلواتِ والغاياتِ
نأخذ الطريقَ ورعشةَ الندى
خذوا المهرِّجينَ وإصبعَ القناصْ
نأخذُ الكحولَ وأرجلَ النملْ

في الحفلةِ ما يجعلنا سعداءَ ما لم نكنْ معاً
في الحفلةِ أكثرُ من حفلة
فلنضعْ حاجزاً بينَ الحلبتينِ
وحينَ ترقصونَ وحدكمْ
ستسمعوننا ونحن نناديْ
كما لو أننا لا نقصدكمْ:
كأسكمْ!

ولن نختلفْ
لديكمْ أشباحُ الابتزازِ
وعيونُ الكاميراتْ
ولدينا نوافذُ مفتوحةٌ على خوفكمْ
لديكمُ المكاسبْ
ولدينا أننا لم يعد لدينا ما نخسرهْ
 
لن نختلفْ
خذوا الله والجنة
نأخذُ خلاصنا منْ هذه الجحيمِ العظيمة
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عمر يوسف سليمان

النهار- الملحق

الجمعة، 20 ديسمبر 2013

وقت ميت من سوريا


الترجمة والتقديم: عمر يوسف سليمان


 ارتبطت تجربة الشاعر الفرنسي أكسودوم غييرم  (AxoDom Guillerm) بالبحث عن وسائل وتقنيات جديدة لنشر الشعر ومزجه بالفنون الأخرى، كـ (قصيدة الفيديو)، وتحويل القصائد إلى لوحات من خلال نحتها أو تعليقها مع صور ورسومات على الأشجار وجدران المنازل والقصور الباريسية، وقد ساعدته مهارته في فن التصوير على ذلك، إضافة إلى أنه كاتب مسرحي ومؤلف أغانٍ، شارك في العديد من الأنتولوجيات والأمسيات والمهرجانات الشعرية، أما القصيدة المترجمة أدناه فقد نُشرت في المجلة الشعرية الفرنسية (كُرَّاسات الإحساس) حزيران 2013، كما قرأها الشاعر في عدة مناسبات ثقافية منها (المهرجان الدولي للشعر في باريس) 2013.

البشر قبل البدائيين في هذه الجحيم الدنيوية
كأنهم مسيَّجون بالأسلاك الشائكة
حتى الشبّاك ذو الإطار المرصّع
يفوح بروائح غرفة التعذيب
لا أحد بريئاً
لا أحد أصمّ
الكلّ يعلم
الكلّ يسمع
الكلّ ينتظر
وما من أحدٍ طليقٍ حقاً سوى الأموات

إلهي، إلهي، خبِّئني حيثما تريد!
لا أستطيع أن أتحرّك
وأنتم!
كفاكم مواجهة للأخطار
اهربوا ولا تقلقوا
سأكون بخيرٍ وحدي في حديقة الزهور السوداء هذه

أحياناً أشعر أني اثنان
منفصمٌ، منهكٌ
لم أعد كائناً واحداً
ولا سبب لذلك
كنتُ يوماً ما كائناً
"أنا" لم يعد يعرف
هل نصفي الحقيقي هو الخائف؟
أم نصفي المقاتل الذي لا تهمّه أهوال الزمن؟
نصفي يخفي نصفي في طياته
كبُقَعٍ عفنةٍ من الإجاص
تختفي تحت العيون المغمضة
لنصفي العاري تحت هيكله العظمي
صه! اسمع، ركِّز قواك العقلية في هذا القبو
إننا نصغي إلى الدبّابات كما لو أننا نرى فكَّيها
الدبّابات تنخر جلد المدينة وتحفر فيه جنازيرها مثل وشم
الدبابات تشرب إسفلتَ الشوارع الأحمر المشتعل
فتطمس موسيقى قذائفها عقولَنا

الطائرات تُسقط الألغام والرصاص
في الألغام ضيَّعت ثديَي
لم يعد زغبي خارج جلدي بل داخله
الزغب يمشط جلدي
والكلَّابات تُبحر في عروقي
كانت لدينا حياة يوماً ما
كانت لدينا قطة وحب وأطفال وحلوى وكلاب وأشجارٌ
وكؤوس كحول تعلوها الرغوة الطازجة
كان هذا قبل أن تقيم أيدينا فوق أفواهنا
لتخنقنا كل ثانية رعباً
ونصبح أحدَ اثنين: أسودَ أو أبيض
الأكثر تعاسة منا مَن يصبح أحمر وهو يزول سريعاً كالذباب

لقد هرِمتْ شمسنا
وغاب رونقها
ما عاد للأوراق حفيفٌ أخضر
والأشجار لا تعيش إلا كظلالٍ عابرة

ما قيمة هذه الأجساد ونحن لا نستطيع الابتسام؟
وبماذا نغرس أنيابنا وحتى الظلال أصبحت مائعة لزجة؟
عيوننا قذرة
تسيل صفرتها على بشرتنا الرمداء
لم نعد نجرؤ على أن تنتفخ بطوننا
والمساميرُ تزخرفها كما تزخرف أطفالنا
المساميرُ تحبس أنفاسنا
عبثاً نحاول النجاة من الأشباح
سواءٌ تلك التي كانت تترصّد الخطوات
أو التي سنصيرها يوماً
حسناً
ماذا؟
ماذا؟
أية أحجية هذه؟
روحي تُغتَصَب كل يوم
ربما لو أن دماً أقلَّ يصبغ شعري
لكنتُ أكثر بهاءً
ربما لو لم أطلِقْ كل تلك الصرخاتِ
لكان صوتي رخيماً
أمَّا هذا الذي أكتبه الآن فليس أغنيةً
بل حرقة

باضمحلالٍ تدريجي لذاكرتي أعيش
فمن أكون إذاً؟

أنا لستُ سوى شهقاتِ وقتٍ ميتٍ
أنا اتفاقُ وقفِ إطلاقِ النار.

ـــــــــــــــــــــــــ
النهار- الملحق:
http://newspaper.annahar.com/article/93364-شعر--وقت-ميت-في-سوريا

الأحد، 15 ديسمبر 2013

رحيل رموز الحرية والرمز المستقبلي الجمعي

أيام الحراك السلمي للثورة السورية، عندما كان يتم تشييع النشطاء المستشهدين، ثمة اختلاف في نسبة إحباط الناس وحزنهم وغضبهم كان يلاحظها كل من يشارك في الجنائز أو يراها عن قرب، ما بين جنازة ناشط سقط في المظاهرة بإحدى رصاصات النظام العشوائية وآخر تم قنصه بشكل خاص أثناء تجوله أو خروجه من المنزل، والأخير لم يكن مجرد إعلامي أو منظم للمظاهرات، بل صاحب كاريزما خاصة تؤثر في الرأي العام، كما لم يكن هدفه إسقاط النظام دون ضمان لممارسة الحريات العامة والخاصة ودون مشروع نهضوي يشكل انتشاره خطراً يهدد النظام وادعاءاته كما يهدد السياسة المصلحية للمعارضة.

خلال جنازة الشهيد هادي الجندي (تم قنصه في شهر تموز 2011 في حمص القديمة) كان الإحباط العام الذي انتاب الناس في المدينة يتجاوز إحباطهم أثناء تشييع ضحايا مجزرة الاعتصام الشهير في 18 نيسان 2011، ولم تكن عشرات الألوف من المشيعين ترثي الشاب الذي اتحدت في ملامحه شدة اللطافة مع الجرأة والشجاعة المفرطة، بل كانت ترثي صوتها الداخلي الذي لم تستطع التعبير عنه إلا من خلاله، لذلك عنى افتقاده بالنسبة لها انقطاعاً للخيط الرابط بين الحلم وتحقيقه، الأمر نفسه ينسحب على معن العودات في درعا، وغياث مطر في داريا، والذي كانت طريقة قتله الوحشية تحت التعذيب بعد أن أصبح رمزاً للسلمية والتآخي السوري تعبيراً صارخاً على محاولة النظام لوأد إنسانية الشعب السوري، وكذلك مشعل تمو الذي صُفِّي حين التف حوله الناس وبدأ يشكل عقبة في وجه المخطط الهادف للنأي بالأكراد عن الثورة السورية.

لقد تعامل النظام بأسلوب ممنهج شديد العدوانية والحقد مع الشخصيات ذات التأثير الشعبي، ليس لقمع الحراك فقط، بل لتحطيم معنويات المواطن السوري وإجهاض تمسكه بأي أمل في التغيير، أما الرموز التي لم ينجح في قتلها فقد عمد إلى تهجيرها أو تشويه سمعتها...

عموماً، ومنذ أن انتشرت ثورة الاتصالات في العالم بدأت شخصية الرمز بالانكماش، فكلما صغر العالم وصار الزمن أكثر سرعة ذاب ثبات الرموز، مركز التحرر اليوم هو العقل الإلكتروني الذي تصب فيه الأفكار والتطلعات إلى الخلاص من التخلف وليس العقل البشري كما في السابق، ولأن ثورة الاتصالات في سوريا وغيرها من بلدان الربيع العربي جزء هام من الثورة على الأرض، فقد تعددت الرموز وتتالت بشكل سريع، كلما ظهر رمز يتحول مع الوقت إلى عامل من عوامل التغيير ولا يستقر كأساس له، وحين يكفي الشخص أن يحمل كاميرا و"لابتوباً" وخط إنترنت لينشر أفكاره ومشاهداته فإنه يستطيع تفعيل قدراته الحقيقية ويُتاح له أن يجذب الناس إلى أفكاره بعيداً عن "الكليشيهات" التي يضعها الآخرون، ونتيجة لتعددية الرموز وكثرتها في الحالة السورية فقد فشل النظام في إيقاف الحراك.

قبل ثورة الاتصالات هذه، ارتبطت أغلب الثورات عبر التاريخ بشخص واحد أو عدة أشخاص، منذ أيام ودع العالم نيلسون مانديلا، الكائن المتجذر في وجدان الإنسانية وصوت العدالة البشرية، وقبلها بأيام رحل أحمد فؤاد نجم، رمز ثورة الكلمة ورفض الاستبداد خلال عقود من التحولات في المجتمع المصري، وقد شكل رحيلهما حالة من الانكسار العام، فهما يمثلان خامة النضال لأجل الحرية خلال القرن العشرين، وما تبقى من إرادة النهوض بالأوطان قبل عصر الاتصالات الذي تبدلت فيه المفاهيم.

لن نشهد بعد اليوم رموز تحرر كمانديلا أو نجم أو غيفارا أو غاندي، فرمز الثورة في المستقبل ليس سوى الإنتاج الحضاري للبشرية، والذي يتجسد في الإنجاز العلمي الموجه لصالح الجميع بعد أن انصهرت مفاهيم الأمم والأعراق لصالح مفهوم التقدم، هذا الرمز تقوم به مجموعات من البشر بغض النظر عن انتماءاتها الضيقة، وتأثيره يمتد بشكل مباشر على جميع شعوب الأرض وليس على شعب واحد، ولأن العالم يزداد قسوة وسواداً، فإما أن نشهد إجهاضاً للحضارة وبالتالي سقوطاً إنسانياً لا منقذ منه، أو نهضة عالمية يجسدها هذا الرمز الجديد الذي لا يموت.

ـــــــــــــــــــــ
أورينت نت
http://orient-news.net/index.php?page=news_show&id=6671

الخميس، 7 نوفمبر 2013

جماليات

أجمل البلادِ...
تلك التي لا تُذكرُ في نشرةِ الأخبارْ

أجمل المُدُنْ:
التي لا تلمعُ فيها أوسمةُ النصرِ
لأنها لم تستقلَّ
لأنها لم تُحتَلْ!

أجمل القرى:
الخالية من السائحينَ والبترولِ والدِّيَكة...


أجملُ شمسٍ
تلكَ التي لا تشرقُ أو تغربُ على أحَدْ
ــــــــــــــــــ
عمر يوسف سليمان

الأحد، 3 نوفمبر 2013

الحرب هواء

لم يشتعلِ الرعدُ والبرقُ في سماءِ
باريسَ اليومْ
إلا لأنَّ الطائراتِ والصواريخَ
مزَّقتْ ليلَ
سوريا
ولمْ تلتهبْ قدَمُ ابنِ جارتيْ
إلا لأنَّ طفلاً دمشقياً غاصتْ إصبعُهُ
في جرحِه..
تلكَ الإصبعُ كانتْ تحبسُ الدِّماءَ
لكنها اغتالتِ المسافة
أمَّا الذينَ مرَّتْ عليهمُ الثوانيْ
مرورَ صوتِ المترو على حصى الأنفاقِ
فلمْ يدفعْهُمْ إلى الانتحارِ
سوى أبراجِ الكآبةِ في بلاديْ
الأرضُ: نافذةٌ
والحربُ: هواءْ!
ـــــــــــــــــــــــــــــ

عمر يوسف سليمان
القدس العربي
http://www.alquds.co.uk/?p=98826

جاري ريكو

في عينهِ نقطة حمراءُ جاءَ بها من أدغالِ
أميركا اللاتينية
النقطة كانت على ظهر فهدٍ
أهدى كل نقاطه كذكرى للمهاجرينَ إلى
الشمالْ
قال الفهدُ وقتها: لا نقاط بعدكمْ
لأننا سنصبحُ عما قريبٍ بلونٍ واحدٍ
كي نكونَ كما شاءَ الشماليونَ
فابنوا جنوبَنا في شمالهمْ
ولو من نقطةٍ حمراءَ كانت على ظهر فهدْ
/
جاري عرفَ أن الحياةَ الطبيعيَّةَ سلةٌ
مليئةٌ بالماءِ
فتزوج (الساكسفون) ورحلْ
آتي إليهِ
فيناديني بـ (أخي)
ولا يتذكرُ اسمي!
أصافحه
فتغوص أصابعي في الأدغالِ
ومناديلِ نساءٍ سودٍ
يغنين فوقَ التلالِ للانتظارِ
والغروبِ
وأبنائهنَّ الراحلينْ
يتكلم الفرنسيةَ مثلَ فهدٍ يلهثْ
ويفشل في أن يخرجَ من كوخه القديم بين
أشجار المطاطْ
يفشل في أن لا يرى البدرَ ساعةً كبيرةً
يذكِّرهُ منبهها آخرَ الليلِ بموعدهِ مع
اللاجدوى
وبأنَّ لجامَ حصانِ العبثِ هو العبثْ
/
ريكو جاءَ من غربِ الأرضِ
وجئتُ من شرقها
ولا نرى فرقاً بينَ ما تركناه خلفنا منْ
ضوءٍ وأشجار كينا
ولا بينَ البلاد
التي يعكسها ظلانا المنحنِيَانِ على
رخامِ الذاكرة
ـــــــــــــــــــــــ

عمر يوسف سليمان

القدس العربي
http://www.alquds.co.uk/?p=98826